سياسة

اخبار الرياضة

عين على الفايسبوك

إصلاح "المقاصة".. بين دَعم الفقراء وتَعميق الفَوارق الاجتماعية



إصلاح "المقاصة".. بين دَعم الفقراء وتَعميق الفَوارق الاجتماعية


ما أن أَعلَن مصدر حكومي عن انتهاء إعداد مسودة مشروع إصلاح صندوق المقاصة المثير للجدل، حتى تَعالَت الأصوات المُتوجِّسة خِيفَة من المسِّ بالقدرة الشرائية للمواطنين جراء توقعات مُسبَقة لارتفاع الأسعار بالمُوازاة مع رفع الدَّعم عن المواد الأساسية.
وإلى حد الساعة لم تُقدِّم الحكومة أية سيناريوهات نهائية لإصلاح صندوق المقاصة، بما أنه مشروع لا زال قيد الدراسة والتهيئة التقنية. كما أنه - لما له من تداعيات اجتماعية مهمة- يحتاج إلى مزيد من النِّقاش العام ويفترض نوعا من التَّوافق السياسي.
بوليف وإشاعات المقاصة
"إشاعات" عديدة تلك التي سَبقت المشروع وجعلت المواطنين يتنبؤون بالأسعار الجديدة للمواد الإستهلاكية حال رفع الدعم عنها، ما حَذا بالوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة نجيب بوليف، إلى التأكيد أن جميع الإشاعات التي راجت مؤخرا، والتي تتحدَّث عن رفع أسعار عدد من المنتجات، "لا أساس لها من الصحة". مؤكدا أن الحكومة حال إتمام استعداداتها المتعلقة بإصلاح الصندوق ستعلن عنه رسميا، مستطردا بالقول أن "حكومة بنكيران جاهزة لبسط المقترحات الخاصة بالمشروع على مختلف الجهات والدوائر التي ستتخذ القرار، في استعداد تام للخروج به إلى المُجتمع من أجل التَّشاوُر بشأنِها مع جميع المؤسَّسات والهياكل التي لها دور في النظر في منظومة الإصلاح".
نجيب بوليف وعبر تصريحه هذا خلال ندوة صحافية على هامش المناظرة الوطنية الأولى للحكامة بالصخيرات، كان يرد بطريقة أو بأخرى على هيئات سياسية انتقدت عدم إشراكها في معرفة تفاصيل الأرضية الأولية التي أعدتها الحكومة في هذا السياق.
صندوق المقاصة..من مواليد 1941
ارتباطا بالموضوع، يُوضِّح أستاذ الاقتصاد والأعمال بجامعة مونديابوليس أبو العراب عبد النبي، أن تأسيس صندوق المقاصة يعود إلى سنة 1941، إلا أن تأسيسه الفعلي يعود إلى قانون 1.74.403 الصادر بتاريخ 10 أكتوير 1977 الذي أعاد تنظيمه وحدد مهامه وأهدافه، حيث يُسيَّر صندوق المقاصة بمقتضى هذا القانون من طرف مجلس إداري يرأسه رئيس الحكومة ويجتمع كلما دعت حاجات الصندوق إلى ذلك لأجل تحديد العمليات التي يجب أن تستفيد من مُساعدة الصندوق والعمليات التي يجب أن تكون موضوع اقتطاعات لفائدته. موضحا أن ظهير 10 أكتوبر1977، سَطَّر ثلاثة أهداف أساسية لهذا الصندوق؛ وهي تنظيم التَّزود بالمواد الاستهلاكية الأساسية وتأمين المُقاولات من تَقلُّبات أسعار المواد الأولية وحماية المستهلكين عبر التَّحكم في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية.
إصلاح صندوق المقاصة..طوق النَّجاة
ويضيف الأستاذ الباحث ضمن حديث مُطوَّل مع هسبريس، أنه وحسب تقديرات وزارة المالية المغربية، يُنتَظَر أن تَبلُغ تكاليف صندوق المقاصة السنة الحالية 49 مليار درهم، بالإضافة إلى المُتأَخِّرات التي تبلغ حوالي 20 مليار درهم. "هي أرقام مخيفة تؤكد أن هذا الصندوق يسير في اتِّجاه الْتِهام ما يفوق رُبع ميزانية الدولة. كما يُنتظر أن تفوق تكاليفه مجموع اعتمادات الاستثمار في الميزانية العامة، وهي توازنات لا تُبشر بأي خير لمستقبل التوازنات المالية للدولة وتستلزم تَدخُّلا عاجلا لأجل وقف هذا الإهدار لمواردها" يقول أبو العراب.
وأوضح المتحدث، أن القانون المُنظِّم لسنة 1977 جَعلَ هذا الصندوق لحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار قاصدا بالتحديد حماية المستهلك الضعيف الذي يتأثَّر بارتفاع الأسعار وليس المُستهلك الغني الذي بإمكانه الاستغناء عن هذه المساعدة. مشيرا إلى أن هذه الأهداف تم تَحريفُها مع الوقت ليُصبح المستفيد الأول من هذا الصُّندوق هم الطبقة الميسورة من ذوي الاستهلاك المرتفع وخاصة الشركات. لتشير الأرقام في هذا الصدد إلى أن 20 في المائة من الفئات المعوزة تستفيد من 1 في المائة فقط من مجموع دعم صندوق المقاصة، في حين أن 20 في المائة من الفئات الغنية تستفيد من 75 في المائة من دعم هذا الصندوق.
وعلى هذا الأساس، يورد أبو العراب، فإن إصلاح صندوق المقاصة يجب أن يَصُبَّ في أفق إعادته إلى أهدافه الأولى وهي حماية المُستهلك الضعيف من خلال إيجاد طرق بديلة تمكن من حصر الدعم المقدم إلى الأفراد والأسر المُحتاجة ومنعه عن الذين ليسوا في حاجة إليه. وهو ما سَيمَكِّن من النَّجاح في تخفيف الضَّغط على الميزانية العُمومية ومن المُساهمة في الحفاظ على التوازن في المؤشرات الماكرو اقتصادية للدولة.
المقاصة..بين الإصلاح والتداعيات الانتخابية
وأشار أستاذ الأعمال والاقتصاد إلى أن النقاش الدائر حول هذا الورش الإصلاحي والذي تساهم فيه الحكومة يبين أن هناك مُقاربة جديدة في طور الإعداد تتحدَّد في إيجاد برنامج يُمكِّن من حَصْر الدَّعم الذي تُقدِّمه الدولة على الطبقات الهشة والفقيرة وإقصاء الشركات والأسر الميسورة. وهي مُقاربة تبدو مبدئيا منطقية من الوجهتين الاجتماعية والاقتصادية في أفق التحرير الكلي للأسعار. مردفا بالقول أن "المقاربة السياسوية لهذا الورش الاستراتيجي من أطراف حزبية عديدة يمكن أن تصبح أهم عقبة أمام الإصلاح المنشود، فبِقَدر الإجماع حول الضرورة العاجلة للإصلاح؛ فإن البعض ينظر إليه من باب تداعياتِه الانتخابية المُحتملة لصالح أحد أطراف الائتلاف الحكومي. وهي مقاربة غير متوازنة وغير أخلاقية. إذ بتعميمها يمكن أن نعتبر كل ورش إصلاحي للحكومة ذو خلفيات انتخابية وهو ما لا يمكن قبوله في باب المسؤولية والأمانة والحرص على المصلحة الوطنية التي يجب أن تكون المبادئ التي تحكم عمل الدولة ومؤسساتها".
دعم الأسر الفقيرة..غاية نبيلة لصالح الاقتصاد
المتحدث أكد لجريدة هسبريس الإلكترونية، بإن الدَّعم الذي يمكن تقديمه لطبقات بعينها وفق شروط معينة هو مبدأ عام نَجده في جُلِّ الدول. معتبرا إياه مبدأ أخلاقيا له مبرراته الاجتماعية والاقتصادية. فعلى المستوى الاجتماعي، يوضح العراب، "يجد العديد من المواطنون أنفُسهم في وضعية مالية هشة بدون دخل أو بدخل ضعيف لأسباب عديدة كالمرض أو الإعاقة أو الشيخوخة أو البطالة"، موضحا أن هذه الطبقات لا يمكن تركها على الرصيف عرضة للإهمال والإهانة؛ بل يجب على المجتمع أن يوفر لها شروط العيش الكريم ولو في حدوده الدنيا. مُستشهِدا بدول عديدة تقوم بهده الأهداف النبيلة، ومنها الدخل الأدنى للإدماج في فرنسا أو المساعدة المرتبطة بالشيخوخة في إيطاليا وغيرها من الأنظمة ..
وانتقالا إلى المستوى الاقتصادي، يؤكد أبو العراب أن الهدف الأساسي لإصلاح صندوق المقاصة هو إصلاح الموازنة العامة للدولة وإعادة هيكلتها بالشكل الذي سَيمَكِّنها من توفير الاعتمادات اللازمة للاستثمار عوض صرفها في دعم المستهلكين الميسورين والشركات الرابحة. مضيفا أن إصلاح المقاصة يروم من الوجهة الاقتصادية إقامة تنافسية حقيقية مبنية على تحرير الأسعار بما سيخلص القطاع الإنتاجي الوطني من الخروج عن منطق الإعانة والريع الذي يعتبر السمة الأساسية لصندوق المقاصة في تركيبته الحالية.
إصلاح صندوق المقاصة..قرار جريء ولكن
في ذات الصدد، أَقَرَّ الدكتور محمد الغالي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، بأن قرار إصلاح صندوق المقاصة من طرف الحكومة قرار جريء يُعبِّر عن الرغبة في الإصلاح والنهوض بأوضاع البلاد وتفتُّحها على فرص جديدة للخير والنَّماء، لتطرح مسألة تفعيله مجموعة من المخاطر التي لا بد من إثارة الانتباه إليها والمتمثِّلة في كون قرار الإصلاح لا يتعلق فقط بقرارٍ سِيادي وَطني مَحض، موضحا أن القرار أملته كذلك ظروف خارجيَّة لا سياديَّة تتعلق بتحسين سلوك الدولة المغربية في أعين الجهات الدولية المانحة، من خلال إرادتها وقدرتها على التَّحكم في النَّفقات التي تُثقِل سَلبا كاهل الميزانية المغربية.
" مادام هذا القرار المتعلق بإصلاح صندوق المقاصة قرار أملَتهُ ظروف غير سيادية تتجاوز حدود المُمكن المُتاح لدى الحكومة سياسيا أو دستوريا، فإن مَخاطِره ستُحدِث هَزَّات سيادية على مستوى الاستقرار الاجتماعي وبالتالي على الاستقرار السياسي، تتجاوزُ النَّوايا الحسنة للحكومة" يورد الغالي.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بمراكش، في تصريح لهسبريس، أن المخاطر المذكورة مردها إلى عيشنا زمن الدولة التي تتدخل بشكل كبير في تفاصيل حياة المواطنين والمواطنات، وتبني مشروعية ذلك على قُدرتِها في الجواب على حاجياتهم المباشرة وفقا لنمط لا يزال تقليديا في توزيع خيرات ومنافع البلاد، رغم ادعاء الحكومة بأن الإصلاح سيفتح المجال أمام حرية المبادرات في إطار من التنافسية على أساس الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص في الاستفادة من خدمات الدولة ومرافقها، وتجاوز مخلفات اقتصاد الريع، لأن بنية الواقع تتجاوز سقف الآمال المعبر عنها والدليل على ذلك أن لغة العفاريت والشياطين لم يحل بعد لغزها كمحرك ومؤثر في نجاح أو فشل أية مبادرات إصلاحية.
رفع الدَّعم..هل يُعمِّق الهوَّة الطبقيَّة؟
http://t1.hespress.com/cache/thumbnail/article_medium/mohamedelghali_944156595.jpgوأضاف المتحدث أن تخلي الدولة عن تدخلها المباشر في دعم القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنات من خلال الدعم المباشر للسلع والخدمات الأساسية بحجة التحكم في نفقاتها يفتقد تطبيقه إلى بوصلة محكمة تساعد على الضبط الجيد لخريطة من ينتمي إلى طبقة الفقراء ومن ينتمي إلى "الطبقة المتوسطة" أو من هو بين الطبقتين، وعليه من سيستفيد و من لا يمكنه أن يستفيد من الحلول البديلة لصندوق المقاصة مما قد يجعل الحل مفتقدا للنجاعة ويعمق الإختلالات والفوارق الاجتماعية.حيث تدل المؤشرات على أن جزء كبيرا ممن ينتمون إلى "الطبقة المتوسطة" وعند تطبيق الحل البديل عن صندوق المقاصة سيسقطون في العَتبَة التي تَجعلُهم في نادي الفقراء من المواطنين والمواطنات مما ستكون له فيما بعد تداعيات اقتصادية نتيجة توسع وعاء من هم في عتبة الفقر، ما سيتطلب اعتمادات مالية مضاعفة، سيترتب عن عدم القدرة على تغطيتها تداعيات سياسية سلبية، قد تهدد الاستقرار والسلم الاجتماعيين.
الأستاذ الجامعي ختم حديثه لجريدة هسبريس الإلكترونية بالتأكيد على أن التَّخلي عن صندوق المقاصة مقابل الحلول البديلة المقترحة والمتمثِّلة في توزيع حصص مالية شهرية على الفقراء وجزء من "الطبقة المتوسطة"، يطرح مشكل عدم توفر الدولة على جهاز معلوماتي دقيق وناجع كفيل بتحديد الفئة المستهدفة التي تُعاني من مشكل ضعف قدرتها الشرائية نتيجة محدودية دخلها، حيث لازالت الهياكل التقليدية المتمثلة في المقدم والشيخ هي المرجع في تحديد من يستفيد ومن لا يستفيد من مجموعة من مبادرات الدولة، مما سيعزز من جديد الحضور القوي لوزارة الداخلية ويمنحها مداخل جديدة للتحكم السياسي، ولعل موضوع منح الطلبة وموضوع الاستفادة من برامج التعاون الوطني من خير الأمثلة التي لم تُسعف في تحديد الفئة المستهدفة بدقة حيث نجد واقعيا مجموعة من المحتاجين غير مستفيدين وبالعكس طبقات ميسورة تستفيد، مما يزيد من توسيع الهوة و يبث الحقد والكراهية بفعل غياب نظام للتَّكافل قادر على جمع اللُّحمة بين مختلف المُواطنين والمُواطنات.