عيُّوش: لديَّ موافقة أسرة "الطفل المغتصب".. والإسلام ليس مُتَّهما
بعد صعود جينيريك الختام لفيلم "ياخيل الله" المتنافس على النجمة الذهبية لمهرجان الفيلم الدولي بمراكش، بدأت آراء ضيوف الدورة 12 من المهرجان تتوزع بين المثني على علو كعب مخرجه ومستهجن للمشاهد الجنسية ولغة الشارع التي "تسلح" بها العمل السينمائي.
نبيل عيوش مخرج الفيلم المقتبس عن رواية "نجوم سيدي مومن" والمتناول لتفجيرات 16 ماي بمدينة الدار البيضاء، خص هسبريس بحوار حصري تحدث فيه عن اختياراته السينمائية وتمسكه بلغة الشارع والعنف الجسدي ومشهد اغتصاب طفل.. انتصارا لما يسميه عيوش بالمقاربة السينمائية الواقعية.
اخترت هامش مدينة الدار البيضاء فضاء والأطفال المحرومين موضوعا لفيلمك الجديد، ألست تكرر نفسك وتجربة فيلم "علي زاوا" بصيغة جديدة؟
هناك آصرة قرابة بين فيلم "يا خيل الله" وفيلمي السابق "علي زاوا"، الاطفال الذين شاهدتموهم في فيلم "علي زاوا" كانوا مرشحين لمصير محتمل يشبه مصير الصبية اليافعين في فيلم "يا خيل الله"، لكن هناك اختلافات كبرى بين التجربتين، فالفيلم الأول يدخل في إطار الرواية أو القصة الحضرية رغم تناوله للحياة الهامشية للأطفال المشردين الذين يحملون حلما متمثلا في إيجاد طريقة لدفن صديقهم المتوفى، أما "يا خيل الله" فهو فيلم يضعك أمام صبية يافعين يحفرون قبورهم بأنفسهم. الفيلم الجديد و المأخوذ عن رواية "نجوم سيدي مومن" هو تناول معاصر لما يمكن أن يفعله الإقصاء والتهميش في مرحلة ما بعد 11 شتنبر 2001 بينما يبقى "على زاوا" فيلما يؤرخ لما قبل هذا التاريخ الذي أعتبره مفصليا في مجرى الأحداث.
"يا خيل الله" مليء بالعنف المادي والرمزي من خلال مشاهد العراك المتكرر والألفاظ النابية ومشهد اغتصاب أحد الأطفال.. هل يحتاج المخرج إلى هذا الكم من العنف حتى يوصل فكرته الى المشاهد؟
قد يقول قائل إنه كان الممكن أن نخلص الفيلم من مشاهد العنف ومن ألفاظ الشارع التي تخللته ومن مشهد الاغتصاب أيضا، وأنا لا أريد الاختباء وراء الرواية الأصلية كذريعة لتضمين هذه المشاهد، والقول أن رواية "ماحي بين بين" كانت تتضمن مشهد اغتصاب مما يلزمني أن أضمن فيلمي نفس المشهد، أبدا، كان بإمكاني أن أزيل المشهد بشكل كلي لو أردت، لكني اعتبرت مشهد الاغتصاب بَناء و مفيدا لإيضاح الصدمات التفصيلية التي شكلت شخصيات أطفال الفيلم و جعلت منهم شبابا ينتهون إلى المصير الانتحار الذي شاهدتموهم في نهاية الفيلم.
هل تريد أن تقول أن البؤس والعنف هو التربة الخصبة لاستنبات التعصب والانغلاق؟
رسالة الفيلم لا تقول أن كل من نشأ في حي صفيحي أو كل من ترعرع في البؤس يتحول بشكل أتوماتيكي إلى انتحاري يفجر نفسه وإلا وجدنا أنفسنا أمام مئات الملايين من الانتحاريين في العالم، نعم البؤس من بين الترب الخصبة للتعصب، غياب البنيات الأساسية التي هي من مسؤولية الدولة، غياب روابط هوياتية، غياب قاعات للسينما، للمسرح، غياب وسائل و فضاءات للتعبير، تمزق الأسر، غياب السلطة الأبوية، الوضع الجيوسياسي الدولي، الظلم الناتج عن تغييب العدالة.. كل هذه الأسباب مجتمعة قد تحول الفرد إلى قنبلة بشرية.
هل وقفت على الأسباب الكامنة وراء دفع ثلة من شباب "سيدي مومن" الى تفجير أنفسهم؟
بعيدا عن سؤال لماذا شباب من حي "سيدي مومن" الصفيحي هم من فجروا أنفسهم في أحداث 16 ماي، فإن ما يثير اهتمامي هو القصص الإنسانية، بعنفها الجسدي واللفظي لشباب يقطنون حيا تعداد سكانه يناهز اليوم حوالي 300 ألف نسمة. شباب يعيشون عزلة جغرافية بحيث أن نصف ساكنة الحي لم يسبق لها أن زارت مركز مدينة الدار البيضاء يقابلها 99 بالمائة من سكان مركز المدينة الذين لم يسبق لهم أن زاروا حي "سيدي مومن"، أضف إلى ذلك العزلة الفكرية، لهذا قررت أن أنجز فيلما يعكس الواقع، جعلته يتكلم بلغة هي لغة شخوصه و محيطه، جعلت الكاميرا تظهر العنف كما هو موجود و احتفظت بمشهد الاغتصاب لأن المشهد مجد و مهم في بناء "يا خيل الله".
كل الإسلاميين الظاهرين في فيلمك متعصبون، ألا تخشى أن يرسخ عملك هذا الصورة النمطية المرتبطة بالإسلاميين؟
هناك أساليب متعدد لإنجاز عمل سينمائي، تجد من ينجز الفيلم بطريقة بيداغوجية و تجد من ينجز فيلما يعتمد على دكاء المشاهد، أنا نفسي طرحت نفس سؤالك، فالمسلمون في العالم ينعتون بالبنان في أرجاء الأرض، و الاسلاموفوبيا منتشرة بشكل كبير مما قد يخلق خلطا محتملا في دهن المشاهد، لكنني خلصت في النهاية الى أننا لسنا أمام إسلام من نوع "أ" و إسلام من نوع "ب".. ما نشاهده من تطرف لدى بعض الجماعات ليس إسلاما بالمرة، إذن ما الذي يجعلني أختار شخصية داخل فيلمي تجسد "الإسلام الجيد" في مقابل "الإسلام السيئ" فقط إرضاء لهاجس بيداغوجي يجعلنا مطمئنين إلى أن الناس فهموا رسالة "يا خيل الله"، من هنا قررت أن أثق في ذكاء المشاهد مادام الإسلام غير متهم بالمرة.
أنت تعرض فيلمك منذ أشهر، ماهي ردود الأفعال وما النتائج المحصل عليها مما تسميه بـذكاء المشاهد؟
بالفعل منذ ستة أو سبعة أشهر والفيلم يعرض في عدد من الدول الأوروبية و الأسيوية و الإفريقية، من مهرجان "كان" مرورا بالدوحة و قرطاج ثم مهرجان مراكش. المفارقة هي أن المشاهدين غير المسلمين الذين صادفتهم، لم يقعوا في أي وقت من الأوقات في هذا الخلط الذي طرحت سؤالا حوله والذي أجده سؤالا مبررا، بل العكس تماما، جمهور من غير المسلمين قالوا أن الفيلم ساعدهم في فهم الديانة الإسلامية فهما سليما. هاجس الخوف على صورة المسلمين موجود لدى الجمهور المسلم فقط، أما عند الآخرين فقد نجحنا في تجاوز الصورة النمطية عبر الفيلم و من خلالها نجحنا في تجاوز سوء الفهم الذي مللناه و مللنا شرحه في كل مناسبة.
أختم معك بالعودة إلى مشهد اغتصاب طفل داخل الفيلم، كيف أقنعت الطفل وأسرته المحافظة؟
قبل التصوير حصلت على موافقة الطفل و موافقة والديه، وهذا أمر مهم، شرحت لهم أن الشخصية السينمائية ليست هي الشخصية الواقعية، عندما قبل الجميع بدأنا التصوير، بعد ذلك ستجد أناس يفهمون و أناس لا يفهمون، فنحن مجتمع محافظ كما قلت في سؤالك، لا شك، لكن هل لمجرد أننا في مجتمع محافظ نفرض على أنفسنا أن لا ننتج أفلاما من هذا النوع و لا نصور مشاهد من هذا النوع، بذريعة أن هناك أناسا قد لا يستسيغون أو لا يقبلون اختياراتنا. إذا أردنا للأعمال السينمائية المغربية أن تسافر وأن تنتشر فنحن مطالبون بكسر العُقد التي تقيدنا وأظن أننا بصدد فعل ذلك، و الضامن هو إنجاز أفلام بالشكل الذي نريده دون إعارة كبير اهتمام للجبهة المحافظة الموجودة في هذا البلد، جبهة لها أفكارها وآراؤها وأنا احترمها وإن اختلفت معها، لكنني لا أنجز الأفلام للمحافظين فقط فأنا أنجز الأفلام لجمهور أوسع.