سياسة

اخبار الرياضة

عين على الفايسبوك

نشر الصور "العارية" لِمَغربيات على الأنترنت .. تلصص وفضائح



نشر الصور "العارية" لِمَغربيات على الأنترنت .. تلصص وفضائح
خلّف نشر صور "فاضحة" لعدد من الفتيات على بعض مواقع التواصل الاجتماعي في الانترنت آثارا سلبية عميقة كانت بمثابة زلزال قوي قصم ظهر عشرات العائلات بمدينة مراكش وغيرها، حتى أن سيدة عمدت أخيرا إلى محاولة فاشلة لإنهاء حياتها عقب اكتشافها وجود صورة لابنتها، وهي شبه عارية، منشورة على أحد المواقع الاجتماعية.
ولا يخفى أن الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي خاصة، يعد سلاحا ذا حدين، فكما أن له منافع كثيرة فإن له في نفس الآن سلبيات عديدة، ومن ذلك أن الإنسان قد يجد حياته الحميمية "منشورة" في أية لحظة أمام العالم أجمع.. وفي الأسطر التالية نحاول البحث عن الدوافع الرئيسة التي تقف وراء التشهير بالناس في العالم الافتراضي.
عجز أمنيّ
ولا تتسم الصفحات "المختصّة" في نشر الصور العارية للمغربيات والتشهير بهنّ، فقط بنشر الصور الفاضحة بل أيضا بلغة "داعرة"، سواء من طرف صاحب/ صاحبة الصفحة، أو من طرف زوارها، فالجميع يتحدث بلغة تكسر جميع الخطوط الأخلاقية الحمراء، كما يمكن قراءة آيات قرآنية على نفس الصفحة، في تناقض غريب لا يضمه سوى الانترنت.
وعلى الرغم من أنّ ظهور هذه الصفحات قد أثار ضجة كبيرة في المجتمع خاصة بعد تناولها من طرف الصحافة، إلا أن السلطات الأمنية ما زالت عاجزة لحدّ الآن عن إغلاق هذه الصفحات التي تعود للظهور من جديد حتى بعد إغلاقها، وهو ما جعل صاحب إحدى هذه الصفحات يعيد خبرا سبق أن تمّ نشره على أحد المواقع الالكترونية على صفحته، بخصوص عجز الأمن عن إغلاق هذه الصفحات، ربما كنوع من "الشماتة" في عجز السلطات الأمنية عن إغلاق صفحته المختصة في نشر صور عارية لفتيات يقول بأنهنّ ينتمين إلى مراكش.
"تشويه" بلا حدود
ولا يقتصر أصحاب هذه "الصفحات الفضائحية" على نشر الصور الحميمية للفتيات فقط، بل يتعدّاه إلى نشر معلومات دقيقة حول هؤلاء "الضحايا"، من قبيل السنّ وعنوان السكن الذي تقطن فيه الفتاة المستهدفة، واسم المؤسسة الدراسية التي تدرس بها، ورابط صفحتها على الفيسبوك، وحتى رقم هاتفها الشخصي، مع "تقديمها" لزوار الصفحة بأقذع الأوصاف والنعوت، وبتفاصيل مدققة عن حياتها الشخصية، ما يدلّ على أنّ ناشري الصور على معرفة دقيقة بـ"الضحايا"، ليظلّ السؤال المطروح هو: ما الذي يدفع أصحاب هذه الصفحات إلى نشر هذه الصور المخلة بالحياء العام، وفضح الحياة الخاصة جدا للآخرين أمام العالم أجمع؟
الدكتور جمال خليل، الذي يعمل أستاذا لعلم الاجتماع في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يجيب عن هذا السؤال قائلا بأنّ "الشخص عندما ينشر صوره على الشبكة العنكبوتية، فهذا يدخل في إطار اختياراته الشخصية، أما في حال نشر صور أشخاص آخرين من طرف شخص معيّن بدون إذنهم، خصوصا إذا كانت هذه الصور حميمية، فقد يكون الدافع الأكبر هو الانتقام"، مشيرا إلى أن "هذا يعني أن ثمّة حسابات بين الشخص الناشر للصور و"الضحايا"، لذلك يبقى نشر الصور على صفحات المواقع الاجتماعية نوعا من تصفية الحسابات".
كلام الدكتور جمال خليل يزكّيه أستاذ علم الاجتماع والنفس مصطفى شكدالي بقوله إن من بين الدوافع لنشر مثل هذه الصور على المواقع الاجتماعية "الرغبة في الانتقام من جسد المرأة"، ويضيف شكدالي أسبابا أخرى تتمثل في "العقلية الذكورية التي تهدف من خلال نشر مثل هذه الصور إلى تشييء المرأة وتقديمها كنوع من السلعة".
هل معنى هذا أن هؤلاء الأشخاص مرضى نفسانيون؟ "لا يمكن اعتبار الأمر مرضا نفسيا، بل هو تعبير عن سلوكيات عصابية تجعل صاحبها يبحث عن خلق ضجة في المجتمع عن طريق الإثارة، من أجل لفت انتباه الآخرين"، يجيب شكدالي في تصريح لهسبريس، مردفا أن هؤلاء الأشخاص يعانون من نوع من الكبت النفسي والجنسي.
اتصالات كثيفة بـ"الضحايا"
الأرقام الهاتفية لـ"الضحايا"، التي يتمّ نشرها رفقة صورهنّ، تحظى باتصالات كثيفة رغم أن أغلب هذه الأرقام قد تمّ إغلاقها، حيث يستقبل المتّصلَ صوت المجيب الآلي، الذي يردّ بأن الرقم المطلوب لا يمكن الاتصال به، وما يؤكد أن هذه الأرقام ترِد عليها اتصالات كثيرة، هو أنه لا يمكن حتى ترك رسالة في العلبة الصوتية، لأنها ممتلئة عن آخرها.
ورغم أنّ جميع خطوط هذه الأرقام الهاتفية تكون مغلقة، فقد استطاعت هسبريس الاتصال بإحدى الفتيات التي سألت في البداية عن هوية المتصل، وعندما سألناها عما إذا كان اسمها (ك)، كما هو وارد في الصفحة التي نشرت صورتها ورقم هاتفها، ردّت "شكون بغاها"، وعندما اطمأنّت إلى أن المخاطب ليس على معرفة بها أجابت "نعم أنا هي".
المفاجأة هي أن هذه الفتاة تعرف بأنّ رقمها الهاتفي وصورتها منشورة على تلك الصفحة، حيث أجابت، دون أن نكشف لها عن هويتنا، بأنها على علم بذلك، قبل أن تطلق قهقهات صاخبة رفقة صديقاتها اللواتي يظهر أنهنّ كنّ في مكان عمومي، أما صاحب الصفحة التي عثرنا فيها على الرقم الهاتفي لهذه الفتاة وصورتها، فلا يجيب على أيّ رسالة تصله على حسابه الفيسبوكي.
للذكور نصيب
وإذا كانت هذه الصفحات تركّز أكثر على نشر الصور العارية للفتيات، فإنّ الذكور أيضا لهم نصيب من "التشويه"، فعلى إحدى الصفحات تظهر صورة مراهق مغربي، بلباس عادي، لكن التعليق المصاحبِ للصورة يقدمه على أنه شاذ جنسيا، مثلما يتضمّن التعليق أيضا معلومات شخصية عنه، مثل اسمه الشخصي، واسم المؤسسة التعليمية التي يدرس بها، واسم الحيّ الذي يقطن فيه.
والمثير هو أن أصحاب التعاليق من زوار الصفحة، الذين يكتبون تعليقات بلغة داعرة، يفعلون ذلك بوجوه مكشوفة، حيث يضعون على "بروفايلاتهم" صورهم الشخصية، فيما آخرون يفضلون الاختباء وراء أسماء مستعارة، مع الحرص على عدم نشر صورهم الشخصية.
الخوف من الفضيحة
وعلى الرغم من أنّ الصور التي نشرت على عدد من الصفحات على موقع فيسبوك، خلفت "زلزالا" وسط عدد من الأسر اللواتي ظهرت صور بناتهنّ في هذه الصفحات في أوضاع مخلّة، إلا أن أيّا من هذه العائلات لم تتقدم، حسب ما أوردته وسائل إعلامية، بأيّة شكاية إلى مصالح الأمن.
وعزا شكدالي سبب عدم تقدّم عائلات الفتيات اللواتي تنشر صورهن الحميمية على هذه الصفحات إلى كون المجتمع المغربي يربط الفضيحة دوما بالجنس، إضافة إلى أنّ الآباء والأمهات يعتبرون أنفسهم مسؤولين بالدرجة الأولى عن أي تصرفات طائشة لأبنائهم وبناتهم، "لذلك يفضلون التزام الصمت خوفا من الفضيحة"، يوضّح شكدالي. من جهته يقول جمال خليل إن هذه العائلات تخشى أن تسلّط عليها الأضواء إذا ما قررت التقدم بشكايات إلى المصالح الأمنية، لأن ذلك سيفضي، حسب رأيه، إلى فتح نقاش عمومي حول هذه الظاهرة، "لذلك، تلجأ العائلات المغربية في مثل هذه الحالات إلى التعبير بلغة الصمت"، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
غياب الوازع الأخلاقي
الأسباب التي أدّت إلى ظهور مثل هذه الصفحات، حسب آراء عدد من "الفايسبوكيين" الذين استقت هسبريس آراءهم، يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الوازع الأخلاقي، والفراغ المهول الذي تعاني منه فئات عريضة من الشباب المغربي.
نسرين، خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، قالت إن شرائح واسعة من الشباب المغربي تعاني من فراغ قاتل، كما تفتقر إلى الوازع الأخلاقي، الذي يمكن أن يحميها من السقوط في مثل هذه الممارسات، وهذا ما يؤدّي إلى ظهور مثل هذه التصرفات.
وإضافة إلى الفراغ وغياب الوازع الديني، تتابع نسرين، هناك أسباب أخرى، تتمثل في غياب النضج لدى الشباب، وقلة الوعي والكبت، "فرغم أن كل شيء موجود ومباح، وهناك حرية واسعة، إلا أن العقلية المغربية تبقى راسخة، يعني أن الشاب ضروري كيبقى يشوف فالبنت على أنها فقط جسد شحال ما فضحناه كنقللو منو"، تقول هذه الشابة.
وجهة نظر نسرين يزكّيها مصطفى شكدالي، غير أنّه يحمّل الفتاة/المرأة المغربية نصيبا من المسؤولية، "لا يجب أن ننسى أن الفتيات أيضا يتعاملن مع أنفسهنّ كنوع من البضاعة، ويقمن بتشيء أنفسهن، ويتجلى ذلك في محاولة الظهور دوما بمظهر جميل، عن طريق وضع الكثير من المساحيق، كي يحظين بإعجاب الرجل"، يقول الباحث الذي زاد بأن الفكر الذكوري المهيمن على المجتمع لا يتجلى فقط في النظرة الذكورية تجاه المرأة، بل يتجسد أيضا في نظرة المرأة المغربية إلى نفسها".
من المسؤول؟
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: من يتحمّل مسؤولية تشويه سمعة الفتيات اللواتي يتمّ عرْض صورهنّ وهنّ في أوضاع مخلة على المواقع الاجتماعية؟ هل ناشرو هذه الصور، أم الفتيات صاحبات الصور، لكونهنّ قبلن بتصويرهنّ في تلك الأوضاع؟..
بالنسبة لحبيبة، موظفة في شركة، تبقى المسؤولية ملقاة بشكل كبير على عاتق هؤلاء الفتيات بالكامل، "الفتاة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية لأنها هي من وضعت نفسها في هذا الموقف، لأن آلة التصوير لا يمكن أن تأخذ صورة لوحدها لو لم تكن الفتاة في موضع التصوير"، تشرح حبيبة. أما مليكة، موظفة في مكتب للهندسة، فتحمّل المسؤولية بالكامل للفتيات اللواتي يظهرن في هذه الصور، خصوصا اللواتي يرتبطن بعلاقات غير شرعية مع الشباب.
ويرى الدكتور جمال خليل أن المسؤولية تبقى مشتركة بين الطرفين، أي بين ناشر أو ناشري الصور، وبين الفتيات صاحبات الصور، لافتا إلى كون "الفتاة التي تقبل لنفسها بأن تصوّر في مثل هذه الأوضاع، تكون على معرفة مسبقة بأنّ صورها ستجد طريقها يوما إلى النشر أمام الرأي العام. لذلك، يضيف خليل، فإنّ المسؤولية تبقى مشتركة بين الطرفين ولا يمكن إلقاؤها على طرف واحد".
ومن جهته يرى شكدالي بأنّ نشر مثل هذه الصور يعتبر جريمة إلكترونية يجب تجريمها، أما المسؤولية فيمكن تحميلها أكثر للناشر، ما دام أنه يقوم بالتشهير بالحياة الشخصية للآخرين، ولولا ذلك لبقيت هذه الصور في نطاق محدود"، يقول أستاذ علم الاجتماع والنفس.
تناقض يفضحه العالم الافتراضي
والمثير هو أنه في الوقت الذي يوجد فيه سخط وسط المجتمع على هذه الصفحات، إلا أنّها تحظى بإقبال كبير من طرف الزوار، رغم أن من يضغط على أيقونة J’aime من أجل الانضمام إلى هذه الصفحات قد يجلب لنفسه الكثير من "العار"، غير أنّ هذا لا يمنع متصفحي الفيسبوك من الإقبال بشكل مكثف على هذه الصفحات، بل والتعليق على الصور أيضا.
الدكتور جمال خليل يشرح هذا التناقض من زاوية علم الاجتماع، ويقول بأن المجتمع المغربي يعيش حاليا فترة تغيير في العمق: "حاليا هناك جيل يتغيّر في العمق، ولا يمكن أن تظهر نتائج هذا التغيير إلا بعد عشر أو خمس عشرة سنة، وهناك الآن صراع بين جيل الآباء والأبناء، لأن الجيل الأول يريد أن يعيش الجيل الثاني وفق تصوّره للحياة، ووفق النظام الاجتماعي الذي يريده، فيما الجيل الحالي يريد أن يعيش حياة مختلفة"، يقول أستاذ علم الاجتماع.
وهل معنى هذا أنّ هذه التصرفات ستصير في غضون عشر أو خمس عشرة سنة شيئا عاديا؟.. "نحن لا يمكن أن نتوقع ماذا سيحصل مستقبلا، لكنّ الأهمّ هو أن المجتمع المغربي يتغيّر بشكل عميق"، يجيب خليل.
ومن جهته يفسّر شكدالي سبب التناقض الذي يعرفه المجتمع المغربي، والمتمثل في وجود نسبة مئوية مرتفعة من المتدينين، حسب ما كشفت عنه بعض الدراسات الميدانية، ووجود مثل هذه السلوكيات في نفس الآن، بكون "الدين يبقى واجهة فقط، حيث يستعمل الكثيرون الدين ليس اقتناعا، بل قناعا فقط من أجل إخفاء حقيقتهم"، قبل أن يتابع المتحدث بأن الذي يجب أن يُنظر إليه هو الأفعال وليس الأقوال، ضاربا المثل بما يقوم به بعض مستعملي المواقع الاجتماعية، حيث يعمدون إلى نشر آيات قرآنية وأحاديث، وفي نفس الآن ينشرون صورا عارية.
ما هو الحلّ؟
الدكتور جمال خليل يجد أنه لا بد من فتح نقاش عمومي حول مثل هذه المواضيع التي ما تزال تدخل في خانة الطابوهات، لكن المشكل هو أن المجتمع المغربي لحدّ الآن غير مستعدّ لفتح مثل هذه النقاشات، وبالتالي فلن تكون هناك أية نتيجة طالما أن المجتمع المغربي غير مستعدّ لتقبّل هذه الفكرة".
التربية أيضا، حسب عدد من "الفيسبوكيين" الذين استقينا آراءهم، يمكن أن تساهم في الحدّ من هذه التصرفات، وهو ما ذهب إليه شكدالي بقوله بأن "المسؤولية الكبرى في التشهير بالحياة الحميمية للناس تعود بالدرجة الأولى إلى التربية التي تربينا عليها"، وزاد شكدالي قائلا بأن "مثل هذه التصرفات يجب تجريمها، وأن يتمّ التبليغ عنها من طرف الناس المعنيين بها إلى الجهات الأمنية، والتنديد بها، لكن هذا وحده لا يكفي، إذ لا بدّ من تربية مجتمعية شاملة تنخرط فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع".
لكن يبدو أن هذه التربية المجتمعية الشاملة تظل حلما بعيد المنال، فبالإضافة إلى المشاكل العويصة التي تتخبط فيها المدرسة المغربية في مجال التربية، ويتخبط فيها المجتمع المغربي برمته، فإنّ كثيرا من الأسر المغربية تعيش في عالم معزول عن عالم أبنائها وبناتها، خصوصا فيما يتعلق بمناقشة مشاكل وسائل التكنولوجيا الحديثة، وهو الواقع الذي عبّرت عنه مليكة بقولها: "خاصّ بعدا تٌوعا الأسر المغربية عاد يُوعاوْ ولادها!"